الثلاثاء، 5 يناير 2016

اعجاز القرأن


اعجاز القرأن

ماهي المعجزة:

النبي –أي نبي – صاحب رسالة يريد أن ينفذ بها الى قلوب الناس و عقولهم، ليصنع الانسان الافضل الذي يريده الله على وجه الارض ، ولا يمكنه أن يحقق هذا الهدف ما لم يكسبه ايمان الناس بنبوته ، واعتقادهم
بصدق دعواه في ارتباطه بالله والارض ، لكي يتاح له ان يستلم زمام قيادتهم ويغذيهم برسالته ومفاهيمها ومبادئها .
والناس لايؤمنون بدون دليل ، اذا كانت الدعوى التي يدعوهم اليها ذات حجم كبير وتقترن بالمشكلات والمصاعب وترتبط بعالم الغيب ، فلا يمكن للنبي ان يدعوهم الى الايمانبه وبرسالته ، ويكلفهم بذلك ما لم يقدم لهم الدليل الذي يبرهن على صدق دعواه ، وكونه رسولاً حقاً من قبل الله تعالى ، فكما لا نصدق في حياتنا الاعتيادية شخصاً يدعي تمثيل جهة رسمية ذات اهمية كبيرة مثلا ، ما لم يدعم دعواه بالدليل على صدقه، ونرفض مطالبته لنا بتصديق من دون برهان ، كذلك لا يمكن للانسان ان يؤمن برسالة النبي ونبوته الا على اساس الدليل .
والدليل الذي يبرهن على صدق النبي في دعواه هو المعجزة، وهي : ان يحدث تغييراً في الكون – صغيراً أو كبيراً – يتحدى به القوانين الطبيعية التي ثبتت عن طريق الحس والتجربة، فمن وضع الماء على النار ليكون حاراً فارتفعت درجة حرارته يطبق قانوناً طبيعياً عرفه الناس عن طريق الحس والتجربة، وهو انتقال الحرارة من الجسم الحار الى الجسم الذي يجاوره، وأما من ادعى أنه يجعل الماء حاراً بدون الاستعانة بأي طاقة حرارية، وحقق ذلك فعلاً فهو يتحدى قوانيين الطبيعة التي يكشف عنها الحس والتجربة، ومن ابرأ مريضاً باعطائه مادة مضادة للميكروب الذي أمرضه، يطبق قانوناً طبيعياً يعرفه بالتجربة، وهو ان هذه المادة بطبيعتها تقتل الميكروب الخاص ، واما من أبرأ المريض بدون اعطاء أي مادة مضادة فهو يتحدى قوانين الطبيعة التي يعرفها الناس بالتجربة، ويحقق المعجزة .
فاذا أتى النبي بمعجزة من هذا القبيل كانت برهاناً على اتباطه بالله تعالى،وصدقه في دعوى النبوة، لان الانسان بقدرته الاعتيادية لا يمنه ان يغير في الكون شيئاً ، الا بالاستفادة من القوانين الكونية التي يعرفها عن طريق الحس والتجربة، فاذا استطاع الفرد أن يحقق تغييراً يتحدى به هذه القوانيين، فهو انسان يستمد قدرة استثنائية من الله تعالى ، ويرتبط به ارتباطاً يميزه عن الآخرين، الامر الذي يفرض علينا تصديقه اذا ادعى النبوة .

الفرق بين المعجزة والابتكار العلمي :

وفي ضوء ما قلناه نعرف أن سبق النوابغ من العلماء في الحقوق العلمية، لا يعتبر معجزة ، فاذا افترضنا أن شخصاً من العلماء اليوم سبق انداده ، ونجح في اكتشاف الورم السلطاني مثلا ، والمادة التي تقضي عليه فهو يستطيع بحكم اكتشافه ان يبرئ مريضاً من السلطان، بينما يعجز عن ذلك جميع العلماء الاخرين، ولكن علمه هذا ليس معجزة لانه انما يتحدى جهل العلماء الاخرين بالسر والعلة والدواء، ولا يتحدى القوانين الكونية التي تثبت بالحسن والتجربة، بل هو انما استطاع ان يبرئ المريض من السلطان على اساس تجربة فذه قام بها في مختبره العلمي، فاكتشف قانوناً يعرفه غيره حتى الان ، ومن الواضح ان معرفته بالقانون الطبيعي عن طريق التجربة ، ليست تحدياً للقانون ، وانما هي تطبيق للقانون الطبيعي ، وقد تحدى بذلك زملاءه الذين عجزوا عن اكتشاف القانون قبله .

القرآن هو المعجزة الكبرى:

وما دمنا قد عرفنا أن المعجزة هي أن يحدث النبي تغييراً في الكون يتحدى به القوانين الطبيعية فمن الميسور أن نطبق فكرتنا هذه عن المعجزة على (القرآن الكريم) ، الذي احدث تغييراً كبيراً جداً، وثورة كبرى في حياة الإنسان لاتتفق مع المألوف والمجرب من القوانين الكونية والسنن التاريخية للمجتمع .
فنحن إذا درسنا الوضع العالمي ، والوضع العربي والحجازي بصورة خاصة ، وحياة النبي قبل البعثة ، ومختلف العوامل والمؤثرات التي كانت متوفرة في بيئته ومحيطه، ثم قارنا ذلك بما جاء به الكتاب الكريم ، من رسالة عظمى تتحدى كل تلك العوامل والمؤثرات ، وما احدثه هذا الكتاب من تغيير شامل كامل ، وبناء لامة تملك اعظم المقومات والمؤهلات ، اذا لاحظنا كل ذلك وجدنا ان القرآن معجزة كبرى، ليس لها نظير لانه لم يكن نتيجة طبيعية لتلك البيئة المختلفة بكل ما تضم من عوامل ومؤثرات ، فوجده إذن يتحدى القوانين الطبيعية ويعلو عليها، وهدايته وعمق تأثيره لا تفسيره تلك العوامل والمؤثرات .
ولكي يتجلى ذلك بوضوح يمكننا ان نستعرض البيئه التي ادى فيها القرآن رسالته الكبرى ونقارن بينها وبين البيئه التي صنعها ، والامة التي أوجدها .

بعض أدلة اعجاز القرآن:

وبهذا الصدد يجب ان ناخذ النقاط التالية بعين الاعتبار، والتي يمكن ان تكون كل واحدة منها دليلاً على اعجاز القرآن :
1- ان القرآن شع على العالم من جزيرة العرب ، ومن مكة بصورة خاصة ، وهي منطقة لم تمارس أي لون من ألوان الحضارة والمدنية، التي برهنت على أن الكتاب لم يجر وفق القوانين الطبيعية الاعتيادية، لان هذه القوانين التجريبية تحكم بأن الكتاب مرآة لثقافة عصره ومجتمعه ، الذي عاشه صاحب الكتاب ، وتثقف فيه ، فهو يعبر عن مستوى من مستويات الثقافة في ذلك المجتمع ، او يعبر على افضل تقدير عن خطوة الى الامام في تلك الثقافة ، واما ان يطفر الكتاب طفرة كبيرة جداً ، ويأتي بدون سابق مقدمات وبلا ارهاصات – بثقافة من نوع آخر لا تمت الى الافكار السائدة بصلة ولا تستلهمها ، وانما تقلبها رأساً على عقب ، فهذا مالا يتفق مع طبيعة الاشياء في حدود التجربة التي عاشها الناس في كل عصر .وهذا ما وقع للقرآن تماماً فأنه اختار اكثر المناطق والمجتمعات تأخراً وبدائية ، وضيق أفق ، وبعداً عن التيارات الفلسفية والعلمية ، ليفاجئ العالم بثقافة جديدة ، كان العالم كله بحاجة اليها ، وليثبت أنه ليس تعبيراً عن الفكر السائد في مجتمعه ، ولا خطوة محدودة الى الامام ، وانما هو شيً جديد بدو سابق مقدمات .
وهكذا نعرف ان اختيار البيئة والمجتمع ، كان هو التحدي الاول للقوانين الطبيعية التي تقتضي ان تولد الثقافة الجديدة في ارقى البيئات من الناحية الفكرية والاجتماعية .
2- إن القرآن بشر به النبي ، وأعلنه على العالم فرد من افراد المجتمع المكي ، ممن لم ينل ما يناله حتى المكيون من الوان التعلم والتثقيف ، فهو امي ، لا يقرأ ولا يكتب ، وقد عاش بين قومه اربعين سنة فلم تؤثر عنه طيلة هذه المده محاولة تعلم أو اثارة من علم او ادب ، كما اشار القرآن الى ذلك :
( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك اذاً لارتاب المبطلون )
( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا ادراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون )
وهذا يعتبر تحدياً آخر من القرآن للقوانين الطبيعية ، اذ لو كان القرآن جارياً وفق هذه القوانين، لما كان من الممكن ان يجيء به فرد امي ، لم يشارك حتى في ثقافة مجتمعه بالرغم من بسلطتها ، ولم يؤثر عنه أي بروز في عالم اللغة بمختلف مجالاتها ، فيبذ به الانتاج الادبي كله ويبهر بروعته وحكمته وبلاغته ، اعاظم البلغاء والعلماء .
فهل رأيت في مجرى القوانين الطبيعية شخصاً جاهلاً لم يدرس عنه شيئاً يتقدم بكتاب في الطب يبهر عقول الاطباء بما يضم من اسرار العلم وآياته ؟ وهل رأيت في مجراها شخصاً لا يحسن ان يكتب في لغة ما، ولا يجيد شيئاً من علومها يأتي بالرائعة التأريخية في حياة تلك اللغة ، ويكشف عن امكانيات ادبية كبيرة جداً في تلك اللغة لم تكن تخطر على بال حتى يتصور الناس انه ساحر؟
والواقع ان المشركين في عصر (البعثة النبوية) احسوا بهذا التحدي العظيم وكانوا حائرين في كيفية تفسيره، ولا يجدون تفسيراً معقولاً له وفق القوانين الطبيعية ، ولدينا عدة نصوص تأريخية تصور حيرتهم في تفسير القرآن وموقفهم ، القلق من تعده للقوانين والعادات الطبيعية .
فمن ذلك أن الوليد بن المغيرة استمع يوماً الى النبي في المسجد الحرام وهو يقرأ القرآن فانطلق الى مجلس قومه بني مخزوم فقال: (والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الانس ولا من كلام الجن وان له لحلاوة وان علية لطلاوة وان أعلاه لمثمر وان أسلفه لمعذق وانه ليعلو وما يعلى) ثم انصرف الى منزله فقالت قريش : صبا والله الوليد والله ليصبأن قريش كلهم ، فقال ابو جهل : انا اكفيكموه، فانطلق فقعد الى جانب الوليد حزيناً ، فقال له الوليد مالي اراك حزيناً يابن اخي ؟ فقال له : هذه قريش يصيبونك على كبر سنك ، ويزعمون انك زينت كلام محمد ، فقام الوليد مع ابي جهل حتى اتى مجلس قومه ، فقال لهم : تزعمون ان محمداً مجنون فهل رأيتموه يخنق قط ؟! فقالوا : اللهم لا ، فقال :تزعمون انه كاهن ، فهل رأيتم عليه شيئاً من ذلك ؟! قالوا : اللهم لا ، فقال : تزعمون انه شاعر فهل رأيتموه ينطق بشعر قط ؟! قالوا : اللهم لا ، قال : تزعمون انه كذاب فهل جربتم عليه شيئاً من الكذب ؟!فقالوا : اللهم لا ، فما هو اذن ؟ فغرق الوليد في الفكر ثم قال : ما هو الا ساحر ! اما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، فنزل قوله تعالى : ( انه فكر وقدر* فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر* ثم ادبر واستكبر * فقال ان هذا الا سحر يؤثر ) .
وقد افترض بعض العرب- لتعليل هذه الحيرة امام تحدي القرآن لهم بنزوله على شخص امي- ان يكون احد من البشر قد علم النبي القرآن ، ولم يجرؤا وهم الاميون على دعوى تعلمه من احد منهم ، فقد ادركوا بالفطرة ان الجاهل لا يعلم الناس شيئاً ، وانما زعموا ان غلاماً رومياً اعجمياً نصرانياً ، يشتغل في مكة قيناً (حداد) يصنع السيوف ، هو الذي علم النبي القرآن ، وكان ذلك الغلام على عاميته يعرف القراءه والكتابة ، وقد تحدث القرآن الكريم عن افتراض العرب هذا ، ورد عليه رداً بديهياً قال تعالى : (…لسان الذي يلحدون إليه اعجمي وهذا لسان عربي مبين )
3- إن القرآن الكريم يمتد بنظره الى الغيب المجهول في الماضي البعيد وفي المستقبل على سواء ، فهو يقص احسن القصص عن امم خلت ، وما وقع في حياتها من عظات وعبر ، وما اكتفنها من مضاعفات ، يتحدث عن كلذلك حديث من شاهد الاحداث كلها ، وراقب جريانها، وعاش في عصرها بين اصحابها ، قال الله تعالى : ( تلك من انباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها انت ولا قومك من قبل هذا فصبر ان العاقبة للمتقين ) وقال : ( وما كنت بجانب الغربي اذ قضينا الى موسى الامر وما كنت من الشاهدين * ولاكنا انشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاوياً في اهل المدين تتلو عليهم آياتنا ولاكنا كنا مرسلين ) وقال : ( ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك وما كبت لديهم اذ يلقون اقلامهم ايهم يكفل مريم وما كنت لديهم اذ يختصمون )
وكل هذه الايات الكريمة تأكد تحدي القرآن للقوانين الطبيعية في استيعابه لتلك الاحداث ، واحاطته بالماضي المجهول ، اذ كيف يمكن بحكم القوانين الطبيعية ان يتحدث شخص في كتاب عن احداث امم في الماضي السحيق لم يعشها ولم يعاصرها ؟
وقد احس المشركون بهذا التحدي ايضاً : ( وقالوا اساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة ً واصيلاً ) . وكانت حياة محمد (ص) رداً مفحماً لهم ، فقد عاش في مكة ولم تتهيأ له أية دراسة لاساطير الاولين ، او كتب العهدين : التوراة والانجيل ، ولم يخرجمن المنطقة الا مرتين ، سافر فيهما الى الشام ، احداهما : في طفولته مع عمه لقي فيها بحيرا ، وهو ابن تسع سنين ، فقال هذا الراهب لعمه : ( سيكون لابن اخيك هذا شأن عظيم ) والاخرى : في تجارة خديجة وهو شاب وكان بصحبته ميسرة غلام خديجة ، ولم يتجاوز (ص) سوى مدينة بصرى، في كلتا الرحلتين القصيرتين ، فأين تأتى للنبي ان يدرس التوراة أو يكتب اساطير الاولين ؟ !
والحقيقة ان مقارنة القصص التي جاءت في القرآن الكريم بالعهد القديم تؤكد التحدي ، اذ تبرز اعجاز القرآن بصورة اوضح ، لأن التوراة التي شهد القرآن بتحريفها كانت قصصها واحاديثها –عن ماضي الامم واحداثها – مشحونة بالخرافات والاساطير وما يسيئ الى كرامة الانبياء ، ويبتعد بالقصة عن اهداف التبليغ والدعوة، بينما نجد قصص تلك الامم في القرآن، قد نقيت من تلك العناصر الغربية ، وابرزت فيها الجوانب التي تتصل باهداف التبليغ ، واستعرضت بوصفها عظة وعبرة لا مجرد تجميع اعمى للمعلومات .
وكما كان القرآن محيطاً بالماضي ، كذلك كان محيطاً بالمستقبل ، فكم من خبر مستقبل كشف القرآن حجابه فتحقق وفقاً لما اخبر به ، ورآه المشركون ، ومن هذا القبيل أخبار القرآن بانتصار الروم على الفرس في بعض سنين، اذ قال تعالى :(غلبت الروم* في ادنى الارض وهم منبعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين …)
وقد اخبر القرآن بذلك على اعقاب هزيمة فضيعة مني بها الروم ، وانتصار ساحق سجله الفرس عليهم، ففرح المشركون بذلك لانهم رأوا فيه انتصاراً للشرك والوثنية على رسالات السماء ، نظراً الى ان الفرس المنتصرين كانوا وثنيين والروم كانوا نصارى ، فنزل القرآن يؤكد انتصار الروم في المستقبل القريب ، فهل يمكن لكتاب غير نازل من الله تعالى ان يؤكد خبراً غيبياً في المستقبل القريب من هذا القبيل ، ويربط كرامته ومصيره بالغيب المجهول، وهو يهدد مستقبله بالفضيحة اذا ظهر كذبه في نبوءته ؟
وهكذا نجدان القرآن يتحدى الغيب في الماضي والمستقبل على السواء ، ويتحدث بلغة المطمئن الواثق ، الذي لا يخالجه شك فيما يقوله، وهذا ما لا يقدر عليه انسان ، أوكتاب انسان وفقاً للقوانين الطبيعية .
كما أننا يمكن ان نجد ادلة اخرى على اعجاز القرآن ، في مقدمتها ما اشرنا اليه في بحث الهدف من نزول القرآن ، من التغيير العظيم الذي احدثه في امة العرب وبمدة زمنية قياسية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق