الثلاثاء، 5 يناير 2016

الآية والمعجزة


الآية والمعجزة

الآية في اللغة: العلامة الدالّة على الشيء بحيث إذا ظهرت العلامة اتضح وجود ذلك الشيء.
وفي المصطلح الإسلامي: نوعان من العلامة الدالَّة على وجود الباري أو إحدى صفاته ـ أسمائه الحسنى ـ وهما:
أ ـ ما دلّ بوجوده المتقن على خالق حكيم، وبنظامه المحكم على ربّ يدبِّر شؤون الخلق وفق نظام محكم نسمّيه بسنن الله في الكون.
فمثال الأول قوله تعالى في سورة الغاشية:
(أَفَلا يَنظرُونَ إلى الإبِلِ كَيفَ خُلِقَت * وَإلى السَّماءِ كَيفَ رُفِعَت* وَإلى الجِبالِ كَيفَ نُصِبَت...) (الآيات 17 ـ 20).

وقوله تعالى في سورة العنكبوت:

(خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ وَالأرضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذلِكَ لآيةً لِلمؤمِنين) (الآية 44).
ذكر الله تعالى في أمثال هذه الآيات القرآنية أنواعاً من الخلق تدلّ بوجودها على وجود خالقها، ولذلك يسِّميها الآيات.
ومثال الثاني قوله تعالى في سورة النحل:
(هُوَ الَّذي أَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لكم مِنهُ شَرابٌ وَمِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُِسيمُون* يُنبِتُ لكم بِهِ الزَّرعَ وَالزَّيتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعنَابَ وَمِن كُلِّ الَّثمَراتِ إِنَّ في ذلِكَ لآيةً لِقَوم يَتَفَكَّرُون* وَسَخَّرَ لكم اللَّيلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمسَ وَالقمرَ وَالنُّجومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمرِهِ إِنَّ في ذلِكَ لآيات لِقَوم يَعقِلُون* وَمَا ذَرَأَ لَكُم فيِ الأرضِ مِختَلِفاً أَلوانُهُ إِنَّ في ذلِكَ لآيةً لِقَوم يَذِّكَّرُون) (الآيات 10 ـ 13).
ذكر الله في أمَثال هذه الآيات القرآنية أنواعاً من النظام الكوني الذي يدلّ على وجود الربِّ المدبِّر الحكيم، للعالمين، وقد يجمع الله في الذكر بين الآيات الدالَّة على الخالق العزيز والربّ المدبِّر الحكيم مثل قوله تعالى في سورة البقرة:
(إنَّ في خَلقِ السَّمواتِ وَالأرضِ وَاختِلافِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ وَالفُلكِ الَّتِي تَجري في البَحرِ بِما يَنفَعُ الناسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماء فَأحيا بِهِ الأرضَ بَعدَ مَوتِها وَبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّة وَتَصرِيفِ الرِيّاحِ وَالسَّحابِ المُسَخَّرِ بَينَ السَّماءِ وَالأرضِ لآيات لِقَوم يَعْقِلون) (الآية 164).
ذكر الله تعالى في أوّل الآية خلق السماوات والأرض، وذكر بعدها آيات النظام الكوني الذي قدَّره الربُّ والتي نسمِّيها بسنن الله في الكون.
ب ـ ما آتى الله الربُّ الأنبياءَ من الولاية على النظام الكونَّي بحيث إذا اقتضت مشيئة الله أن يغيرِّ النبيُّ شيئاً يسيراً من النظام الذي جعله الله للكون استطاع أن يفعله بإذن الله تعالى، كما
حكى الله تعالى ذلك في وصف عيسى (ع) في سورة آل عمران، وقال:
(وَرَسولا إلى بَني إسرائيلَ أنِّي قَد جِئتُكُم بِآية مِن ربِّكُم أنّي أخلُقُ لَكُم مِنَ الطِّين كَهَيئَةِ الطَّيْر...) (الآية 49).
ويسمَّى هذا النوع من آيات الله في العرف الإسلامي بالمعجزة، لأنَّ سائر البشر يعجزون عن الإتيان بمثلها، وهي خارقة للنظام الطبيعي للخلق، مثل خلق عيسى(ع) من الطين طيراً بإذن الله لتكون دليلا أوَّلا على أنَّ الله الربَّ هو الذي أعطى الأشياء خواصَّها ونظامَها الطبيعي، ومتى اقتضت حكمته أن يسلب أيَّ شيء خواصه، إستطاع أن يفعل ذلك; مثل أن يسلب النار خاصة الإحراق لإبراهيم (ع) حين اُلقِيَ فيها، ومتى اقتضت حكمته أن يغيّر النظام الطبيعي الذي جعله لبعض خلقه، استطاع أن يفعل ذلك; مثل خلق الطير من الطين بيد عيسى(ع) بدل إنشائه من أُنثى الطير بعد اللِّقاح من الطير الذكر وفقاً للنظام الطبيعي الذي جعله في تسلسل خلق ذوات الأرواح.
ومعاجز الأنبياء ـ كما ذكرنا ـ خرقٌ للنظامِ الطبيعي وليست طيّاً لمراحل انتقال المادة من حال إلى حال وصورة بعد صورة حتى تستقرَّ في الصورة الأخيرة، أي ان خلق الطير من الطين يتحقق ضمن سلسلة مراحل يكون قريباً من سير النور، يطويها الله لنبيّه بأسرع من زمانه الطبيعي وتدرُّجه في الإنتقال كما يفهم ذلك من كلام بعض فلاسفة المسلمين.
وليست المعجزة سحراً فإنّ السحر ضرب من التخييل لا حقيقة له، والساحر ـ مثلا ـ عندما يُري أنّه ابتلع طيراً أو دخل في فم الناقة وخرج من دبرها، أو هشَّم أوانَي زجاجيةً ثمّ أعاد كل شيء كما كان، لم يفعل أيَّ شيء من ذلك، وإنّما سحر أعين الرائين فتخيّلوا ذلك، ولّما انتهى مفعول السحر رأى الحاضرون كل شيء كما كان دونما تغيير أو تبديل.
والمعجزة تغيير حقيقي للنظام الطبيعي مثل ابتلاع عصا موسى (ع) ـ التي أصبحت ثعباناً عظيماً ـ جميع ما ألقى السحرة في الساحة الكبيرة، ولمّا عاد الثعبان في يد موسى (ع) إلى العصا لم يبق أثر لما كان قد ألقى السحرة في تلك الساحة، ومن ثمّ أُلقِيَ السحرة ساجدين، وقالوا: آمنّا برَبِّ العالمين ربِّ موسى وهارون; لأنّهم كانوا متخصِّصين في أمر السحر، وأدركوا أنّ عمل موسى(ع) ليس بسحر وإنّما هو آية من آيات الربِّ تعالى.
وكذلك لا تأتي المعجزة في الأمر المحال وما يُسَّمى في علم المنطق باجتماع النقيضين مثل أن يكون الشيء في زمان واحد ومكان واحد موجوداً وغير موجود.
وحقيقة معجزات الأنبياء آيات يجريها اللهُ الربُّ على أيديهم، لا يستطيع الإنس والجنُّ أن يأتوا بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. فإنّ في الجنّ مثلا من يستطيع أن يأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى سليمان قبل أن يقوم من مقامه، لأنّ سير الجنّ في الجو قد يكون قريباً من سير النور.
وبناءً على ذلك قد يستطيع الجنّ أن يخبر عن شيء وقع في مكان ما، لكاهن يتّصل به، ولكن
لا يستطيع الجنّ والإنس أن يخلقوا من الطين طيراً فيكون طيراً، ما لم يكن الربّ قد أذن بذلك.
وقد يستطيع المرتاض الهندي أن يوقف القطار عن الحركة، ولكنّه لا يستطيع هو ولا غيرهم ممَّن لم يأذن له الربُّ أن يضرب بعصاه الحجر فتنبجس منه اثنتا عشرة عيناً. ولما كان الله الربُّ يؤتي من بعثه من الأنبياء الآيات، لتعلم أُمُمهم صدق أدّعائهم أنهم مبعثون من قبل الربّ، كان مقتضى الحكمة أن تكون الآيات ممّا تعرفها الأمة التي بُعِثَ النبيُّ لهدايتها، كما أخبر بذلك الامامُ عليُّ بن موسى الرضا (ع) من سأله: لماذا بعث الله موسى بن عمران بيده البيضاء والعصا؟ وبعث عيسى بالطبّ؟ وبعث محمّداً (ص) بالكلام والخطب؟ بقوله:
«إنَّ الله تبارك وتعالى لمّا بعث موسى (ع) كان الأغلب على أهل عصره السحر. فأتاهم من عند الله عزَّ وجلَّ بما لم يكن في وسع القوم مثله، وبما أبطل به سحرهم وأثبت به الحجّة عليهم، وأنّ الله تبارك وتعالى بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطبّ، فأتاهم من عند الله عزّ وجلّ بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيا لهم الموتى وأبرأ لهم الأكمه والأبرص بإذنه، وأثبت به الحجّة عليهم، وإنّ الله تبارك وتعالى بعث محمّداً في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب والكلام ـ وأظنّه قال: والشعر ـ فأتاهم من كتاب الله عزَّ وجلَّ ومواعظه وأحكامه ما أبطل به قولهم وأثبت الحجّة عليهم».
فقال السائل: تالله ما رأيت مثل اليوم قطّ، فما الحجّة على الخلق اليوم؟
فقال (ع): «العقل; تعرف به الصادق على الله فتصدّقه، والكاذب على الله فتكذّبه».
فقال السائل: هذا والله الجواب(1).
وكان إتيان الأنبياء الآيات الخارقة لشيء من النظام الطبيعي للأشياء من سنن الله الربِّ الكونية في المجتمعات الإنسانية التي يبعث الأنبياء إليها.
ومن ثمّ كانت الاُمم تطالب أنبياءها بأن يأتوا لهم بآية تكون دليلا على صدق مدَّعاهم، كما حكى الله تعالى في سورة الشعراء عن قوم ثمود أنّهم قالوا لنبيِّهم صالح(ع):
(ما أَنتَ إلاّ بَشَرٌ مِثلُنا فَأْتِ بآية إن كُنتَ مِنَ الصادقِين* قالَ هذِهِ ناقةٌ لها شِربٌ وَلكم شِرب يَوم مَعلُوم* وَلا تَمَسُّوها بِسُوء فَيَأخُذَكُم عَذابُ يَوم عَظيم)
(الآيات 154 ـ 156).
وبعد بيان النبيِّ الآية المعجزة، كثيراً ما كانت الاُمم تكابر وتعاند نبيَّها ولا تؤمن بالله ربّاً وبنبيِّه مبعوثاً إليهم، كما أخبر الله تعالى عن قوم ثمود بعد هذه الآيات وقال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ البحار 11 / 70 ـ 71 باب (علة المعجزة وأنّه لِمَ خَصَّ الله كلَّ نبيَّ بمعجزة خاصة) نقلا عن علل الشرائع / ص: 52، وعيون الأخبار 2 / 80.

  (فَعَقَرُوها فَأَصبَحوا نادِمين) (الآية 157).
وإذا نزلت الآية حسب طلب قوم النبىِّ ولم يؤمنوا بها استحقوا الرجز والعذاب، فيعذِّبهم اللهُ تعالى كما أخبر في السورة نفسها عن عاقبة قوم ثمود ـ أيضاً ـ وقال عزَّ اسمه:
(فَأَخَذَهُمُ العَذابُ إِن في ذلِكَ لآيةً ومَا كانَ أِكثَرُهُم مؤمنين) (الآية 158).
ويكون إتيان الآية للأنبياء بمقتضى الحكمة، ومقتضى الحكمة إتيان الآية بالمقدار الذي يظهر لمن أراد أن يؤمن بالربِّ ورسوله أنَّ الرسولَ صادقٌ في دعواه وليس بمقدار تعنّت الأقوام التي تأبى الإيمان بالربَّ وبرسوله على أيِّ حال، ولا تأتي ـ أيضاً ـ بالأمر المحال كما ورد الأمران في طلب قريش من خاتم الرسل (ص) وذلك بعد أن آتى الله قريشاً من آياته ما اختص العرب به: كَلاماً بليغاً، وخاطبهم في سورة البقرة وقال لهم:
(وإن كُنتُم في رَيب مِمّا نَزَّلْنا على عَبدِنا فَأْتوا بِسُورَة مِن مِثْلِهِ وِادعُوا شُهداءَكُم مِن دونِ اللهِ إنْ كُنتُم صادِقين* فَإنْ لَمْ تَفعَلوا وَلَن تَفعَلوُا فَاتَّقُوُا النّارَ الّتي وَقوُدُها النّاسُ وَالحِجارَةُ أُعِدتَّ لِلكافِرين) (الآيتان 23 ـ 24).
وقد أخبر الله تعالى في سورة الإسراء عن أنواع تعنُّتِهم وقال:
(قُلْ لَّئِنِ اجتَمَعَتِ الإنسُ وَالجِنُّ عَلى أَن يَأتُوا بِمِثلِ هذا القُرآنِ لا يَأتُونَ بِمِثلِهِ وَلَو كانَ بَعضُهُم لِبَعض ظَهيراً* وَلَقَد صَرَّفنا لِلنّاس في هذا القُرآنِ مِن كُلِّ مَثَل فَأَبى أَكثَرُ النّاسِ إلاّ كُفُوراً* وَقالُوا لَن نُّؤمِنَ لَكَ حَتى تَفجُرَ لَنا مِنَ الأرضِ يَنبُوعاً* أَو تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نخِيل وعِنَب فَتُفَجِّرَ الأنهارَ خِلالَها تَفجِيراً* أو تُسقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمتَ عَلَينا كِسَفاً أو تَأْتَيِ بِاللهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيلا* أَو يَكُونَ لَكَ بَيتٌ مِن زُخرُف أَوْ تَرقى في السَّماءِ وَلَن نؤمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَينا كتاباً نَقرَؤهُ قُل سُبحانَ رَبِّي هَل كُنَتُ إلاّ بَشَراً رسُولا* وَما مَنَعَ النّاسَ أَن يُؤمِنُوا إِذ جاءَهُمُ الهُدى إلاّ أَن قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رسُولا * قُل لَو كانَ في الأرضِ مَلائِكَةٌ يَمشُونَ مُطمَئِنِّينَ لَنَزِّلنا عَلَيهم مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسولا* قُل كَفى بِاللهِ شَهيداً بَيني وَبَينَكُم إِنّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً)
(الآيات 88 ـ 96).
فأتمّ اللهُ الربُّ عليهم الحجّة، وقال: (إن كُنتُم في رَيب ممّا نَزلنا عَلى عَبدِنا فَأتوا بِسُورَة مِن مِثْلِهِ وَادعوا شُهَداءَكُم)، وَأَخْبَرَ أَنَّ الإنس والجنّ لو اجتمعوا لَمَا استطاعوا أن يأتوا بمثله وإنْ كان بعضهم لبعض ظهيراً، وأكَّد ذلك وقال: لَنْ تستطيعوا أن تأتوا بمثله، وحتى عصرنا الحاضر لم يستطع خصوم الإسلام ـ على كثرتهم وما يملكون من قوى ضخمة ومتنوعة ـ أن يأتوا بسورة من مثل القرآن.
بعد هذا التحدِّي الصارخ وإتيان الأمر المعجز للإنس والجنّ، وعجز قريش عن الإتيان بمثله، طلبوا من الرسول (ص) أن يغيِّر مناخ مكّة وأن يكون له بيتٌ من ذهب، أو يأتي بالله والملائكة قبيلا، أو يرقى في السماء ولا يؤمنون لِرقيِّه حتى ينزِّل عليهم كتاباً يقرؤونه، وكان في ما طلبوا;
الأمرُ المحالُ وهو أن يأتيَ باللهِ وَالمَلائِكَةِ قَبيلا تَعالى اللهُ عمّا قالَه الظّالِمونَ عُلُوّاً... وكان فيه ما يخالف سنن الله في إرسال الأنبياء بأن يرقى أمامهم إلى السماء ويأتي لهم بكتاب وهو ما خصَّ اللهُ رسله من الملائكة وليس من شأن البشر، واستنكروا أنْ يبعث الله لهم بشراً رسولا، في حين أنّ الحكمة تقتضي أن يكون الرسل من جنس البشر ليكونوا في عملهم قدوةً وأُسوةً لقومهم، ولم تكن سائر طلباتهم موافقة لمقتضى الحكمة، مثل طلبهم أن ينزِّل عليهم العذاب، ولذلك أمر أن يُجيبهم ويقول: (سُبحانَ رَبِّي هَل كُنتُ إلاّ بَشَراً رَسُولا).
وخلاصة ما ذكرناه أن حكمة الربّ اقتضت أنَّ المرسل من قبله يأتي بآية من ربِّه تدلُّ على صدق ادِّعائه، ويُتَّم بذلك الحجَّةَ على الناس، وعندئذ يؤمن من شاء أنْ يؤمن، ويجحد من شاء أنْ يجحد، كما كان شأن قوم موسى وهارون(ع) بعد إتيان المعجزات، فقد آمنت السحرة وكفر بها فرعون وملأهُ فأخزاهم الله بالغَرَقِ، وما يأتي به الأنبياء من قبل الله ـ سبحانه وتعالى ـ يسمَّى في المصطلح الإسلامي بالمعجزة دليلا على صدقهم.

اعجاز القرأن


اعجاز القرأن

ماهي المعجزة:

النبي –أي نبي – صاحب رسالة يريد أن ينفذ بها الى قلوب الناس و عقولهم، ليصنع الانسان الافضل الذي يريده الله على وجه الارض ، ولا يمكنه أن يحقق هذا الهدف ما لم يكسبه ايمان الناس بنبوته ، واعتقادهم
بصدق دعواه في ارتباطه بالله والارض ، لكي يتاح له ان يستلم زمام قيادتهم ويغذيهم برسالته ومفاهيمها ومبادئها .
والناس لايؤمنون بدون دليل ، اذا كانت الدعوى التي يدعوهم اليها ذات حجم كبير وتقترن بالمشكلات والمصاعب وترتبط بعالم الغيب ، فلا يمكن للنبي ان يدعوهم الى الايمانبه وبرسالته ، ويكلفهم بذلك ما لم يقدم لهم الدليل الذي يبرهن على صدق دعواه ، وكونه رسولاً حقاً من قبل الله تعالى ، فكما لا نصدق في حياتنا الاعتيادية شخصاً يدعي تمثيل جهة رسمية ذات اهمية كبيرة مثلا ، ما لم يدعم دعواه بالدليل على صدقه، ونرفض مطالبته لنا بتصديق من دون برهان ، كذلك لا يمكن للانسان ان يؤمن برسالة النبي ونبوته الا على اساس الدليل .
والدليل الذي يبرهن على صدق النبي في دعواه هو المعجزة، وهي : ان يحدث تغييراً في الكون – صغيراً أو كبيراً – يتحدى به القوانين الطبيعية التي ثبتت عن طريق الحس والتجربة، فمن وضع الماء على النار ليكون حاراً فارتفعت درجة حرارته يطبق قانوناً طبيعياً عرفه الناس عن طريق الحس والتجربة، وهو انتقال الحرارة من الجسم الحار الى الجسم الذي يجاوره، وأما من ادعى أنه يجعل الماء حاراً بدون الاستعانة بأي طاقة حرارية، وحقق ذلك فعلاً فهو يتحدى قوانيين الطبيعة التي يكشف عنها الحس والتجربة، ومن ابرأ مريضاً باعطائه مادة مضادة للميكروب الذي أمرضه، يطبق قانوناً طبيعياً يعرفه بالتجربة، وهو ان هذه المادة بطبيعتها تقتل الميكروب الخاص ، واما من أبرأ المريض بدون اعطاء أي مادة مضادة فهو يتحدى قوانين الطبيعة التي يعرفها الناس بالتجربة، ويحقق المعجزة .
فاذا أتى النبي بمعجزة من هذا القبيل كانت برهاناً على اتباطه بالله تعالى،وصدقه في دعوى النبوة، لان الانسان بقدرته الاعتيادية لا يمنه ان يغير في الكون شيئاً ، الا بالاستفادة من القوانين الكونية التي يعرفها عن طريق الحس والتجربة، فاذا استطاع الفرد أن يحقق تغييراً يتحدى به هذه القوانيين، فهو انسان يستمد قدرة استثنائية من الله تعالى ، ويرتبط به ارتباطاً يميزه عن الآخرين، الامر الذي يفرض علينا تصديقه اذا ادعى النبوة .

الفرق بين المعجزة والابتكار العلمي :

وفي ضوء ما قلناه نعرف أن سبق النوابغ من العلماء في الحقوق العلمية، لا يعتبر معجزة ، فاذا افترضنا أن شخصاً من العلماء اليوم سبق انداده ، ونجح في اكتشاف الورم السلطاني مثلا ، والمادة التي تقضي عليه فهو يستطيع بحكم اكتشافه ان يبرئ مريضاً من السلطان، بينما يعجز عن ذلك جميع العلماء الاخرين، ولكن علمه هذا ليس معجزة لانه انما يتحدى جهل العلماء الاخرين بالسر والعلة والدواء، ولا يتحدى القوانين الكونية التي تثبت بالحسن والتجربة، بل هو انما استطاع ان يبرئ المريض من السلطان على اساس تجربة فذه قام بها في مختبره العلمي، فاكتشف قانوناً يعرفه غيره حتى الان ، ومن الواضح ان معرفته بالقانون الطبيعي عن طريق التجربة ، ليست تحدياً للقانون ، وانما هي تطبيق للقانون الطبيعي ، وقد تحدى بذلك زملاءه الذين عجزوا عن اكتشاف القانون قبله .

القرآن هو المعجزة الكبرى:

وما دمنا قد عرفنا أن المعجزة هي أن يحدث النبي تغييراً في الكون يتحدى به القوانين الطبيعية فمن الميسور أن نطبق فكرتنا هذه عن المعجزة على (القرآن الكريم) ، الذي احدث تغييراً كبيراً جداً، وثورة كبرى في حياة الإنسان لاتتفق مع المألوف والمجرب من القوانين الكونية والسنن التاريخية للمجتمع .
فنحن إذا درسنا الوضع العالمي ، والوضع العربي والحجازي بصورة خاصة ، وحياة النبي قبل البعثة ، ومختلف العوامل والمؤثرات التي كانت متوفرة في بيئته ومحيطه، ثم قارنا ذلك بما جاء به الكتاب الكريم ، من رسالة عظمى تتحدى كل تلك العوامل والمؤثرات ، وما احدثه هذا الكتاب من تغيير شامل كامل ، وبناء لامة تملك اعظم المقومات والمؤهلات ، اذا لاحظنا كل ذلك وجدنا ان القرآن معجزة كبرى، ليس لها نظير لانه لم يكن نتيجة طبيعية لتلك البيئة المختلفة بكل ما تضم من عوامل ومؤثرات ، فوجده إذن يتحدى القوانين الطبيعية ويعلو عليها، وهدايته وعمق تأثيره لا تفسيره تلك العوامل والمؤثرات .
ولكي يتجلى ذلك بوضوح يمكننا ان نستعرض البيئه التي ادى فيها القرآن رسالته الكبرى ونقارن بينها وبين البيئه التي صنعها ، والامة التي أوجدها .

بعض أدلة اعجاز القرآن:

وبهذا الصدد يجب ان ناخذ النقاط التالية بعين الاعتبار، والتي يمكن ان تكون كل واحدة منها دليلاً على اعجاز القرآن :
1- ان القرآن شع على العالم من جزيرة العرب ، ومن مكة بصورة خاصة ، وهي منطقة لم تمارس أي لون من ألوان الحضارة والمدنية، التي برهنت على أن الكتاب لم يجر وفق القوانين الطبيعية الاعتيادية، لان هذه القوانين التجريبية تحكم بأن الكتاب مرآة لثقافة عصره ومجتمعه ، الذي عاشه صاحب الكتاب ، وتثقف فيه ، فهو يعبر عن مستوى من مستويات الثقافة في ذلك المجتمع ، او يعبر على افضل تقدير عن خطوة الى الامام في تلك الثقافة ، واما ان يطفر الكتاب طفرة كبيرة جداً ، ويأتي بدون سابق مقدمات وبلا ارهاصات – بثقافة من نوع آخر لا تمت الى الافكار السائدة بصلة ولا تستلهمها ، وانما تقلبها رأساً على عقب ، فهذا مالا يتفق مع طبيعة الاشياء في حدود التجربة التي عاشها الناس في كل عصر .وهذا ما وقع للقرآن تماماً فأنه اختار اكثر المناطق والمجتمعات تأخراً وبدائية ، وضيق أفق ، وبعداً عن التيارات الفلسفية والعلمية ، ليفاجئ العالم بثقافة جديدة ، كان العالم كله بحاجة اليها ، وليثبت أنه ليس تعبيراً عن الفكر السائد في مجتمعه ، ولا خطوة محدودة الى الامام ، وانما هو شيً جديد بدو سابق مقدمات .
وهكذا نعرف ان اختيار البيئة والمجتمع ، كان هو التحدي الاول للقوانين الطبيعية التي تقتضي ان تولد الثقافة الجديدة في ارقى البيئات من الناحية الفكرية والاجتماعية .
2- إن القرآن بشر به النبي ، وأعلنه على العالم فرد من افراد المجتمع المكي ، ممن لم ينل ما يناله حتى المكيون من الوان التعلم والتثقيف ، فهو امي ، لا يقرأ ولا يكتب ، وقد عاش بين قومه اربعين سنة فلم تؤثر عنه طيلة هذه المده محاولة تعلم أو اثارة من علم او ادب ، كما اشار القرآن الى ذلك :
( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك اذاً لارتاب المبطلون )
( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا ادراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون )
وهذا يعتبر تحدياً آخر من القرآن للقوانين الطبيعية ، اذ لو كان القرآن جارياً وفق هذه القوانين، لما كان من الممكن ان يجيء به فرد امي ، لم يشارك حتى في ثقافة مجتمعه بالرغم من بسلطتها ، ولم يؤثر عنه أي بروز في عالم اللغة بمختلف مجالاتها ، فيبذ به الانتاج الادبي كله ويبهر بروعته وحكمته وبلاغته ، اعاظم البلغاء والعلماء .
فهل رأيت في مجرى القوانين الطبيعية شخصاً جاهلاً لم يدرس عنه شيئاً يتقدم بكتاب في الطب يبهر عقول الاطباء بما يضم من اسرار العلم وآياته ؟ وهل رأيت في مجراها شخصاً لا يحسن ان يكتب في لغة ما، ولا يجيد شيئاً من علومها يأتي بالرائعة التأريخية في حياة تلك اللغة ، ويكشف عن امكانيات ادبية كبيرة جداً في تلك اللغة لم تكن تخطر على بال حتى يتصور الناس انه ساحر؟
والواقع ان المشركين في عصر (البعثة النبوية) احسوا بهذا التحدي العظيم وكانوا حائرين في كيفية تفسيره، ولا يجدون تفسيراً معقولاً له وفق القوانين الطبيعية ، ولدينا عدة نصوص تأريخية تصور حيرتهم في تفسير القرآن وموقفهم ، القلق من تعده للقوانين والعادات الطبيعية .
فمن ذلك أن الوليد بن المغيرة استمع يوماً الى النبي في المسجد الحرام وهو يقرأ القرآن فانطلق الى مجلس قومه بني مخزوم فقال: (والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الانس ولا من كلام الجن وان له لحلاوة وان علية لطلاوة وان أعلاه لمثمر وان أسلفه لمعذق وانه ليعلو وما يعلى) ثم انصرف الى منزله فقالت قريش : صبا والله الوليد والله ليصبأن قريش كلهم ، فقال ابو جهل : انا اكفيكموه، فانطلق فقعد الى جانب الوليد حزيناً ، فقال له الوليد مالي اراك حزيناً يابن اخي ؟ فقال له : هذه قريش يصيبونك على كبر سنك ، ويزعمون انك زينت كلام محمد ، فقام الوليد مع ابي جهل حتى اتى مجلس قومه ، فقال لهم : تزعمون ان محمداً مجنون فهل رأيتموه يخنق قط ؟! فقالوا : اللهم لا ، فقال :تزعمون انه كاهن ، فهل رأيتم عليه شيئاً من ذلك ؟! قالوا : اللهم لا ، فقال : تزعمون انه شاعر فهل رأيتموه ينطق بشعر قط ؟! قالوا : اللهم لا ، قال : تزعمون انه كذاب فهل جربتم عليه شيئاً من الكذب ؟!فقالوا : اللهم لا ، فما هو اذن ؟ فغرق الوليد في الفكر ثم قال : ما هو الا ساحر ! اما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، فنزل قوله تعالى : ( انه فكر وقدر* فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر* ثم ادبر واستكبر * فقال ان هذا الا سحر يؤثر ) .
وقد افترض بعض العرب- لتعليل هذه الحيرة امام تحدي القرآن لهم بنزوله على شخص امي- ان يكون احد من البشر قد علم النبي القرآن ، ولم يجرؤا وهم الاميون على دعوى تعلمه من احد منهم ، فقد ادركوا بالفطرة ان الجاهل لا يعلم الناس شيئاً ، وانما زعموا ان غلاماً رومياً اعجمياً نصرانياً ، يشتغل في مكة قيناً (حداد) يصنع السيوف ، هو الذي علم النبي القرآن ، وكان ذلك الغلام على عاميته يعرف القراءه والكتابة ، وقد تحدث القرآن الكريم عن افتراض العرب هذا ، ورد عليه رداً بديهياً قال تعالى : (…لسان الذي يلحدون إليه اعجمي وهذا لسان عربي مبين )
3- إن القرآن الكريم يمتد بنظره الى الغيب المجهول في الماضي البعيد وفي المستقبل على سواء ، فهو يقص احسن القصص عن امم خلت ، وما وقع في حياتها من عظات وعبر ، وما اكتفنها من مضاعفات ، يتحدث عن كلذلك حديث من شاهد الاحداث كلها ، وراقب جريانها، وعاش في عصرها بين اصحابها ، قال الله تعالى : ( تلك من انباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها انت ولا قومك من قبل هذا فصبر ان العاقبة للمتقين ) وقال : ( وما كنت بجانب الغربي اذ قضينا الى موسى الامر وما كنت من الشاهدين * ولاكنا انشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاوياً في اهل المدين تتلو عليهم آياتنا ولاكنا كنا مرسلين ) وقال : ( ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك وما كبت لديهم اذ يلقون اقلامهم ايهم يكفل مريم وما كنت لديهم اذ يختصمون )
وكل هذه الايات الكريمة تأكد تحدي القرآن للقوانين الطبيعية في استيعابه لتلك الاحداث ، واحاطته بالماضي المجهول ، اذ كيف يمكن بحكم القوانين الطبيعية ان يتحدث شخص في كتاب عن احداث امم في الماضي السحيق لم يعشها ولم يعاصرها ؟
وقد احس المشركون بهذا التحدي ايضاً : ( وقالوا اساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة ً واصيلاً ) . وكانت حياة محمد (ص) رداً مفحماً لهم ، فقد عاش في مكة ولم تتهيأ له أية دراسة لاساطير الاولين ، او كتب العهدين : التوراة والانجيل ، ولم يخرجمن المنطقة الا مرتين ، سافر فيهما الى الشام ، احداهما : في طفولته مع عمه لقي فيها بحيرا ، وهو ابن تسع سنين ، فقال هذا الراهب لعمه : ( سيكون لابن اخيك هذا شأن عظيم ) والاخرى : في تجارة خديجة وهو شاب وكان بصحبته ميسرة غلام خديجة ، ولم يتجاوز (ص) سوى مدينة بصرى، في كلتا الرحلتين القصيرتين ، فأين تأتى للنبي ان يدرس التوراة أو يكتب اساطير الاولين ؟ !
والحقيقة ان مقارنة القصص التي جاءت في القرآن الكريم بالعهد القديم تؤكد التحدي ، اذ تبرز اعجاز القرآن بصورة اوضح ، لأن التوراة التي شهد القرآن بتحريفها كانت قصصها واحاديثها –عن ماضي الامم واحداثها – مشحونة بالخرافات والاساطير وما يسيئ الى كرامة الانبياء ، ويبتعد بالقصة عن اهداف التبليغ والدعوة، بينما نجد قصص تلك الامم في القرآن، قد نقيت من تلك العناصر الغربية ، وابرزت فيها الجوانب التي تتصل باهداف التبليغ ، واستعرضت بوصفها عظة وعبرة لا مجرد تجميع اعمى للمعلومات .
وكما كان القرآن محيطاً بالماضي ، كذلك كان محيطاً بالمستقبل ، فكم من خبر مستقبل كشف القرآن حجابه فتحقق وفقاً لما اخبر به ، ورآه المشركون ، ومن هذا القبيل أخبار القرآن بانتصار الروم على الفرس في بعض سنين، اذ قال تعالى :(غلبت الروم* في ادنى الارض وهم منبعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين …)
وقد اخبر القرآن بذلك على اعقاب هزيمة فضيعة مني بها الروم ، وانتصار ساحق سجله الفرس عليهم، ففرح المشركون بذلك لانهم رأوا فيه انتصاراً للشرك والوثنية على رسالات السماء ، نظراً الى ان الفرس المنتصرين كانوا وثنيين والروم كانوا نصارى ، فنزل القرآن يؤكد انتصار الروم في المستقبل القريب ، فهل يمكن لكتاب غير نازل من الله تعالى ان يؤكد خبراً غيبياً في المستقبل القريب من هذا القبيل ، ويربط كرامته ومصيره بالغيب المجهول، وهو يهدد مستقبله بالفضيحة اذا ظهر كذبه في نبوءته ؟
وهكذا نجدان القرآن يتحدى الغيب في الماضي والمستقبل على السواء ، ويتحدث بلغة المطمئن الواثق ، الذي لا يخالجه شك فيما يقوله، وهذا ما لا يقدر عليه انسان ، أوكتاب انسان وفقاً للقوانين الطبيعية .
كما أننا يمكن ان نجد ادلة اخرى على اعجاز القرآن ، في مقدمتها ما اشرنا اليه في بحث الهدف من نزول القرآن ، من التغيير العظيم الذي احدثه في امة العرب وبمدة زمنية قياسية .

الكون والقران {والسماء بنيناها بأييد وانا لموسعون}

الكون والقران {والسماء بنيناها بأييد وانا لموسعون}

هل الكون محدود ؟ أم غير محدود ؟ وكم هو حجمه ؟ وكم هو عمره ؟
لم يكن الجواب سوى مجرد تخمينات غير مبتنية على واقع علمي ، لان علم الكونيات (كوزمولوجيا ( cosmology حتى نهاية القرن ال 19 لم يصنف كعلم ولكن بظهور النظرية النسبيه للعالم الكبير البرت انيشتاين (1905 _1915 ) كان له ابلغ الأثر في تطور علم الكونيات ثم نظرية نيوتن الميكانيكيه . حتى أصبح علماً بذاته الى جانب علم الفلك astromy وفي عام 1929 قا دت عمليات الرصد التي قام بها العالم الفلكي ادوين هابل الى ظهور فكرة التوسع (تمدد)الكون .
وتشير عدة شواهد حالية الى ان معدل توسع الكون بمقدار عال ، أي ان الكون هو حديث نسيباً وربما يعمر 10 مليارات سنه ، وتشير هذه الشواهد بأن توسع الكون ربما يستمر لمدى غير محدود ، ولو ان علماء آخرون لا يتفقون مع هذه النتائج .لأن المشكلة تتعلق بعدم دقة الطرق المستعملة لقياس المسافات ، وعدم الاتفاق على قيمة هابل (ثابت هابل ) . وادوين هابل هو اول عالم يقوم بتقدير توسع الكون .وفيما بعد اصبحت الالقيمة التي حددها لتوسع الكون هي المعيار في القياسات اللاحقة وسميت بثابت هابل .وثابت هابل = سرعة ابتعاد المجرات /مسافاتها = مقدار ثابت = 100 كم \ثانيه\مليون فرسخ نجمي ( الفرسخ النجمي =وحدة لقياس المسافات بين النجوم =26 \3 مليون سنه ضوئية فالنموذج الكوني القياسي يتكهن بأن الكون سوف يستمر بالتوسع مالا نهاية . ويأمل العلماء بأن تساهم تطورات لا حقه جديدة في فهم أفضل للكون والرد على بعض التساؤلات الصعبة مثل . متى حصل هذا التوسع الهائل في الكون ؟ ما هو قدر هذا الكون ؟ وهل سيستمر هذا التوسع في الكون الى ما لا نهاية ؟ ام ان الجاذبية سوف توقف هذا التمدد وينهار الكون على نفسه؟ هذه التساؤلات سوف تكون موضع بحث العلماء في هذا القرن ، وسيشهد هذا القرن تطور ملحوظاً بهذا المجال .عزيزي القارئ بالرغم من ان القران كتاب هداية وليس كتاباً علمياً فقد أشار وقبل اكثر من 1400 عام الى ان الكون في تمدد وتوسع حيث قال عز من قائل : في سورة الذاريات اية 47 ( والسماء بنيناها باييد وانا لموسعون صدق الله العظيم وصدق رسوله الكريم

أسباب النزول



أسباب النزول

تنقسم الآيات القرآنية - من حيث سبب النزول - إلى قسمين :
1 - ما نزل ابتداءً من غير سبق سبب نزول خاص، وهو كثير في القرآن وذلك مثل الأيات التي اشتملت على الأحكام والآداب التي قصد بها - ابتداءً - هداية الخلق وارشادهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة .
2 - ما نزل مرتبطاً بسبب من الأسباب الخاصة التي نزلت الآية من أجله .

ما هو سبب النزول؟

سبب النزول: هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أو مبيّنة لحكمه أيام وقوعه .
توضيح ذلك: أنه اذا وقعت حادثة ما أو وُجِّهَ سؤال الى النبي صلى الله عليه واله وسلم، فينزل الوحي بتبيان ما يتصل بهذه الحادثة أو بجواب هذا السؤال مثال ذلك: حادثة (خولة بنت ثعلبة) التي ظاهر منها زوجها (أوس بن الصامت) فنزلت بسببها آيات الظهار في سورة (المجادلة/ 1 - 4).
وما حدث بين الأوس والخزرج من خصومة بسبب تأليب أحد اليهود العداوة بينهما، فقد نزل عقبها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكـُمْ بَعْـدَ إِيمَانِـكُمْ كَافِرِينَ ...} ( آل عمران/ 100 - 103).

طريق معرفة سبب النزول

لا طريق لمعرفة أسباب النزول إلاّ النقل الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أهل البيت عليهم السلام أو الصحابة الذين شاهدوا قرائن الأصول وتتبعوا مسيرة الوحي من بدايته إلى نهايته ولا مجال للعقل فيه إلاّ بالتمحيص والترجيح، قال الواحدي في كتاب (أسباب النزول ):
( لا يحل القول في أسباب نزول القرآن إلاّ بالرواية والسماع، ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدّوا في الطلب) لذا ينبغي التثبت في سبب النزول وإلاّ دخل القائل تحت قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((واتقوا الحديث عَليَّ (عني) إلاّ ما علمتم فإن من كذب عَليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ومن كذب علىالقرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ))(1).

فوائد معرفة سبب النزول

لمعرفة سبب النزول فوائد كثيرة، منها :
أولاً : الاستعانة على فهم الآية، وإزالة الاشكال عنها، قال الواحدي في (أسباب النزول ):
(( لا يمكن معرفة الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها))، فمعرفة سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الآيات القرآنية لأن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب .
ثانياً : إنها تعين على فهم الحكمة التي يشتمل عليها التشريع، وفي ذلك فائدة للمؤمن وغير المؤمن :
أما المؤمن فيزداد إيماناً وبصيرة بحكمة الله في تشريعه فيدعوه ذلك إلى شدة التمسك بها، وأما غير المؤمن فيعلم ان الشرع قائم على رعاية المصلحة وجلب المنفعة ودفع المضرة فيدعوه ذلك - ان كان منصفاً - إلى الدخول في الاسلام .
ثالثاً : معرفة اسم من نزلت فيه الآية، وتعيين المبهم فيها، وفي ذلك اسناد الفضل لأهله ونفي التهمة عن البريء، ومعرفة المنافقين والكاذبين الذين آذوا رسول الله واتباعه .
رابعاً : تخصيص الحكم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، فعند هؤلاء ما لم يعرف السبب لا يمكن معرفة المقصود بالحكم فتبقى الآية معطلةخالية من الفائدة .
خامساً : تثبيت الوحي، وتيسير الحفظ والفهم، وتأكيد الحكم في ذهن من يسمع الآية إذا عرف سببها وذلك لأن ربط الأسباب بالمسببات والأحكام بالحوادث والحوادث بالأشخاص والأزمنة والأمكنة كل ذلك من دواعي تقرر الأشياء وتثبيتها في الذهن ليسهل استذكارها عند تذكّر ما يقارنها .

المصدر :

(1) مسند أحمد ج 1/ 293، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1/ 147 .

أسماءُ القرآن وصفاتُه

ذكر علماء القرآن والتفسير عدة أسماء وألقاب سَمّى الله تعالى بها القرآن، وعبّر بها عنه ويمكن تصنيف تلك الأسماء إلى ثلاث مجموعات :

المجموعة الأولى:

وهي طائفة من الأسماء التي تشير إلى ذات الكتاب وحقيقته، وهي الأسماء التالية : -
1 - الكتاب: قال تعالى {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} يوسف/ 2 .
2 - القرآن: قال تعالى {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي...} الإسراء/ 9 .
3 - كلام الله: قال تعالى : { فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ} التوبة/ 6 .
4 - الروح: قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا} الشورى/ 52 .
5 - التنزيل: قال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الشعراء/ 192 .
6 - الأمر: قال تعالى: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ} الطلاق/ 5 .
7 - القول: قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ} القصص/ 51 .
8 - الوحي: قال تعالى: {إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} الأنبياء/ 45 .

المجموعة الثانية:

وهي الطائفة التي تشير إلى صفات القرآن الذاتية .
وذلك كالأسماء التالية : -
1 - الكريم: قال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} الواقعة/ 77 .
2 - المجيد: قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} البروج/ 21 .
3 - العزيز: قال تعالى: {إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} فُصّلت/ 41 .
4 - الحكيم والعلى: قال تعالى : { وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} الزخرف / 4.
5 - الصدق: قال تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} الزمر/ 33 .
6 - الحقّ: قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} آل عمران/ 62 .
7 - المبارك: قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} ص/ 29 .
8 - العَجَبُ: قال تعالى : { قُرْآناً عَجَباً} الجن/ 29 .
9 - العلم: قال تعالى: {وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ} الرعد / 37.

المجموعة الثالثة :

وهي الطائفة التي تشير إلى صفات القرآن التأثيرية، التي تشير إلى علاقة القرآن بالناس .
وهي الأسماء التالية : -
1 - الهدى: قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} البقرة/ 2 .
2 - الرحمة: قال تعالى: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} لقمان/ 3 .
3 - الذكر: قال تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} الأنبياء/ 5 .
4 - الموعظة: قال تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} آل عمران/ 138 .
5 - الشفاء: قال تعالى : { وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ} الإسراء/ 82 .
6 - التذكرة: قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ} المُدَّثر/ 54 .
7 - المبين: قال تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} يوسف/ 2 .
8 - البلاغ: قال تعالى: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} الأنبياء/ 105 .
9 - البشير والنذير: قال تعالى : { بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ...} فُصِّلَتْ/ 4 .
10 - البصائر: قال تعالى {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ} الجاثية/ 20 .
11 - البيان: قال تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} آل عمران/ 138 .
12 - النور: قال تعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً} النساء/ 174 .
{ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} الفرقان / 1.

معجزة القرآن الأدبية البلاغية


معجزة القرآن الأدبية البلاغية

إن التاريخ يقدم لنا حقائق كثيرة ومن الحقائق التي نحن بصددها يقول إن القرآن الكريم نزل في الجزيرة العربية وكان العرب قد بلغوا أوج عظمتهم وبراعتهم الأدبية والبلاغية حتى أن الشعر الجاهلي كان يكتب بماء الذهب ويعلق في الكعبة من شدة الإعجاب والاعتزاز ـ كما ذكرنا سابقاً ـ ومع كل هذا التقدم اللغوي في استعمال الألفاظ بالشكل الفني المتطابق لمقتضى الحال والملائم للذوق السليم الحساس بقدرة أدائية فائقة من الفصاحة والبلاغة والأدب وما تحويه هذه الفنون اللغوية من إبداع وتنسيق ودقة في الجرس الموسيقي للألفاظ ومعانيها الدالة عليها مع كل هذا نجد أن البلغاء الفصحاء والشعراء العرب حينما نزل القرآن الكريم اعترفوا بتقصير تقدمهم هذا ووقفوا مبهورين مندهشين للعظمة الكبرى من الناحية الأدبية في القرآن العزيز.

وحتى أعداء الرسالة كانوا يقفون عاجزين عن المواجهة البلاغية للقرآن حيث فشلوا أكثر من مرة وضمن مجالات عديدة والتاريخ يشهد بذلك يروي صاحب (مجمع البيان) (رحمه الله) إن طغاة قريش خافوا من موسم الحج (المعتاد) أن يأتي الناس إلى بني هاشم ويسمعوا ألفاظ القرآن الكريم من النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وينتشر أمره لذلك اجتمعوا في دار الندوة وقرروا أن يسقطوا هيبة الرسول والقرآن الكريم باتهامات رخيصة فقال لهم الوليد في الاجتماع: إنكم ذوو أحساب وذوو أحلام وإن العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم على أمر مختلف فأجمعوا أمركم على شيء واحد، ما تقولون في هذا الرجل؟.

قالوا: نقول انه شاعر! فعبس عندها وقال قد سمعنا الشعر فما يشبه قول الشعر فقالوا: نقول إنه كاهن! قال إذا تأتونه فلا تجدونه يحدث بما تحدث به الكهنة قالوا: نقول إنه لمجنون! فقال إذا تأتونه فلا تجدونه مجنوناً.

قالوا: نقول إنه ساحر! قال وما الساحر: فقالوا بشر يحببون بين المتباغضين ويبغضون بين المتحابين فقال فهو ساحر (6) .

المهم إن أعداء الرسالة والمخططين لضرب الشريعة كانوا يتردّدون في نوعية التهمة التي يحاولون أن يلصقوها بالنبي ويترددون في الوقوف أمام القرآن من الناحية البلاغية فلما تبين عجزهم الكامل توسلوا بأساليب أخرى منها الملاحقة والتصفية الجسدية أعني الحروب والمداهمات استجابة لحقدهم الدفين وانتصاراً لمصالحهم المهددة بالانهيار فلذلك نلاحظ أن القرآن الكريم الذي نزل على الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يتضمن المشروع الإلهي للبشر من كل النواحي العبادية والاجتماعية والعقوبات وقواعد الحرب والزحف وكيفية الصلح والمعاهدات والممارسات الأخلاقية والقوانين الاقتصادية وقصص الأنبياء والعبرة عن الماضين وهكذا نلاحظ كل ذلك ضمن تسلسل أدبي فني رائع، كل مجال من هذه المجالات قد أعطي حقه الكامل توضيحاً وبياناً وعلة ودليلا في العقائد والتشريع والأخلاق والمعاملات في الحياة وحال الموت والوصية والوكالة والكفالة وهكذا أبواب الحياة العملية والفكرية، وتبرز عظمة القرآن البلاغية في استعمال الفنون بصياغة دقيقة تمتاز بالا يجاز والقوة والرصانة والحسم في المواقف المعينة التي تتطلب فيها ذلك حتى في الأسلوب القصصي لبعض الأحداث الماضية كقصة أصحاب الكهف أو قصة النبي موسى (عليه السلام) فنلاحظ متانة الأسلوب في تبيان القصة مما يجعلها تمتاز بكل المميزات الحسنة للأسلوب القصصي الناجح من الإثارة والوضوح والربط المنسجم ما بين العبارات نفسها وما بين الألفاظ والمعاني من جهة أخرى يقول الرافعي في كتابه: (إن القرآن إنما ينفرد بأسلوبه لأنه ليس وضعاً إنسانياً البتة ولو كان من وضع إنسان لجاء على طريقة تشبه أسلوباً من أساليب العرب) (7) .

ويروي لنا هشام الصحابي الجليل للإمام الصادق (عليه السلام) : (اجتمع في بيت الله الحرام أربعة من مشاهير الدهرية وأعاظم الأدباء وكبار الزنادقة وهم عبد الكريم بن أبي العوجاء وأبو شاكر ميمون بن ديصان وعبد الله بن المقفع وعبد الملك البصري فخاضوا في الحج ونبي الإسلام وما يجدونه من الضغط على أنفسهم من قوة أهل الدين ثم استقرت آراؤهم على معارضة القرآن الذي هو أساس الدين ومحوره. . فتعهد كل واحد منهم أن ينقض ربعاً من القرآن إلى السنة الآتية... ولما اجتمعوا في الحج القابل وتساءلوا عما فعلوا اعتذر ابن أبي العوجاء قائلاً أنه أدهشته آية: (قل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) فأشغلته بلاغتها وحجتها البالغة.

وأعتذر الثاني قائلاً أنه أدهشته آية: (ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) . [سورة الحج: آية 73]. فأشغلته عن عمله...

وقال ثالثهم أدهشتني آية نوح: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين) . [سورة هود:الآية 44]. فأشغلتني الفكرة عن غيرها. وقال رابعهم أدهشتني آية يوسف: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا) . [سورة يوسف: الآية 80]. فأشغلتني بلاغتها الموجزة عن التفكير في غيرها.

قال هشام وإذا بأبي عبد الله الصادق (عليه السلام) يمر عليهم ويومئ إليهم قائلاً: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) [سورة الإسراء: الآية 88] (8) .

ومما نستكشفه من عمالقة الأدب والبلاغة في المثل المار الذكر إن القرآن وثيقة متماسكة منسجمة بعضها مع البعض الآخر بالأسلوب والأداء والمعنى حيث أنه يتناول عدة موضوعات مختلفة تاريخية قانونية وتشريعية وأخلاقية وغيرها بروح متفاعلة متماسكة أدباً وموضوعاً وفي خلال المدة الطويلة التي استغرقت نزول الكتاب العزيز وهي ثلاثة وعشرين عاما دون أن نرى تفاوتا أو تغييراً في المستوى والطريقة الأدائية مطلقاً على عكس ما يؤلف الأدباء حيث يراجعون ويستبدلون ألفاظاً بدل ألفاظ وصوراً بدل صور بينما القرآن الكريم نزل كما قد نزل وبقي كما هو الآن وحالة التحدي لن تنتهي أبداً بل تبقي ما بقي الليل والنهار وكلما تجدد الزمان نلاحظ القرآن يزداد إشراقاً ونوراً وثباتاً وتألقاً ومهما تطورت أساليب الأدب والبلاغة نرى القرآن العظيم هو المقياس الخاص الذي تتوفر فيه كل عناصر القوة الإبداعية ـ فنياً وبلاغياً ـ فالتعبير القرآني يظل جارياً على نسق رفيع واحد من السمو في جمال اللفظ ورقة الصياغة وروعة التعبير رغم تنقله بين موضوعات مختلفة من التشريع والقصص والمواعظ والحجج والوعد والوعيد وتلك حقيقة شاقة بل لقد ظلت مستحيلة على الزمن لدى جميع من عرفنا وسمعنا بهم من فحُول العربية والبيان) (9) .

حتى يظهر ذلك بوضوح على النفس الإنسانية فإنها لا تمل من القراءة أو الاستماع للآيات الكريمة فالإنسان يميل إلى التلاوة والاستماع دون ملل في التكرار. فالقوة الإبداعية بالبيان والأداء تسيطر سيطرة تامة على مشاعر الإنسان فلن يمل الإنسان مهما قرأ أكثر أو استمع أكثر للآيات الكريمة بل في كل مرة من تداول القرآن الكريم يكتشف الإنسان أثراً جديداً على نفسيته وروحيته وكلما تدبر الإنسان وتفكر في القرآن أكثر كلما شعر بهذا الإحساس الروحي العالي في داخله وكلما كان الشخص عالماً متفهماً أكثر كان إدراكه لأبعاد وأسرار القرآن أكثر فيشعر بالانعكاسات القرآنية على نفسيته ويلتذ لذلك حيث يطمئن اطمئنان المؤمنين (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

وهذه السيطرة على المشاعر قد تكون من أسرار القوة لدى الكتاب الكريم حيث السباكة الفنية الدقيقة للألفاظ الدالة على المعاني المقصودة وحتى أولئك المنافقين والكافرين كانوا يتأثرون بالاستماع للآيات المباركة وكثير منهم من أعاد النظر في عقيدته بعد القراءة أو الاستماع فعدل عن طريقته العدائية إلى الالتزام بالكتاب الحكيم، ينقل لنا التاريخ أن الشعراء الكبار في الجاهلية كانوا يخجلون من أنفسهم حينما يقرأون أو يسمعون آيات الله العظيمة وتسيطر على أنفسهم ببلاغتها الساحرة وقوتها البيانية حتى قيل لأحد الشعراء الجاهلين ـ وأظنه لبيد ـ حينما سمعت أخته الأديبة أيضاً بالآية الكريمة: (اقتربت الساعة وانشقّ القمر) . [سورة القمر: الآية 1].

جاءت لأخيها قائلة قم وأنزل معلقتك الذهبية واخجل من محمد فهذه الآية الكريمة تحمل عدة وجوه بلاغية بكلماتها القليلة على عكس معلقتك الطويلة.

ويذكر السيد الزنجاني في كتابه بصدد المعلقات السبع المشهورة قوله: (فإذا أنشأ ما هو أبلغ منه رفعوا الأول وعلقوا الثاني فلما نزل قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي) رفعوا المعلقات من الكعبة وأخفوها من الفضيحة) (10) .

وللعلم أن البلاغة بمحاسنها اللفظية وحسن استعمال التشبيه والتزويق والإيجاز وما شابه من فنون الأدب والتعبير كل ذلك وجها من وجوه الإعجاز القرآني فالقرآن لم ينزل لخوض مباريات أدبية وبلاغية وإنما نزل دستوراً للحياة من لدن الله العزيز الكريم فإحدى مظاهر أعجازه هي القضية البلاغية ولأن العرب كانوا في قمة تطورهم اللغوي فكان فرسان الأدب والبلاغة يتضاءلون أمام المتانة البلاغية للقرآن المجيد لذلك ـ كما قلنا ـ سيطر القرآن على الكثير منهم نفسياً وشعورياً فكانوا يقفون أمام آية واحدة من القرآن حيارى من شدة الدقة في التعبير... فيعلن البعض إسلامه كما فعل السحرة أمام موسى فأعلنوا أيمانهم المطلق مما دفع فرعون ليبطش بهم.

كما قال سبحانه: (فألقي السحرة ساجدين، قالوا آمنا برب العالمين) . [سورة الشعراء: الآيتان 46-47].

والبعض الآخر كان يدوس على ضميره وينتقم لمصالحه وعقيدته الخاوية لعصبيةٍ جاهلية منه فيترك البلاغة والأدب منهزماً من الساحة ليدخل إليها بالعنف والغلظة فصارت المعارك والحروب بعد الفشل الذريع للوقوف أمام القرآن أدبياً بلاغياً.

فقد قال تبارك وتعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين، أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) . [سورة العنكبوت: الآيتان 50-51].

فهو من عند الله وقد أحكمت آياته إحكاماً دقيقاً لا يمكن للبشر مهما بلغوا أن يصلوا إلى مستوى التحدي له:

(كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) . [سورة هود: الآية 1].

ولنأخذ مثلاً قوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق... ) . [سورة الأنبياء: الآية 18].

وفيها: كأن الحق ـ وهو معنى مجرد ولعظم شأنه ـ قذيفة ثقيلة ترمى على الباطل الهش الواهي فيرديه جثة هامدة وقد استخدمت في هذا المشهد العظيم للصراع بين الحق والباطل (الفاء) التعتيبية ولم تستخدم (ثم) أو غيرها لطي المشاهد بسرعة وبيان قدرة الحق الفائقة على دمغ الباطل والسرعة الخاطفة التي تم خلالها إزهاقه، والإزهاق هو خروج الروح لبيان حتمية انهيار الباطل وانعدام وجوده وبطلان أثره.

ولقد أجاد السيد الرضي حين لاحظ إن: (الدمغ إنما يكون عن وقوع الأشياء الثقال على طريق الغلبة والاستعلاء فكأن الحق أصاب دماغ الباطل فأهلكه) (11) .

فحرف الفاء له دلالته وحسابه وموقعه واختيار المفردات الدالة على صميم معناها وأنت تحتار أمام النص المبارك هل المعنى يعكس اللفظ أو اللفظ يعكس المعنى المقصود وكأنهما متساويان بالتأثير والظلال المتبادلة من الواحد للآخر.

وهكذا الآيات القرآنية الأخرى تجسد البلاغة والأداء الأدبي في أرفع صوره وأرقى أشكاله.