من أجوبة العلامة السيد كمال الحيدري
السؤال :لماذا لم يذكر القرآن الكريم أسماء أهل البيت عليهم السلام ؟!!الجواب :هذا السؤال نحن أجبنا عليه مراراً وتكراراً في أبحاثنا ومحاضراتنا وبينا بأنَّ ذكر الاسم لم يكن يحل المشكلة، بدليل أنَّ القران الكريم قال لنا : { ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }، و { ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى }، هذا قاله في رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال لنا : { لتبين للناس ما نزل إليهم }، ورسول الله تواترت عنه الروايات بنصب علي عليه السلام، فهل أخذ بها المسلمون أو لم يؤخذوا ؟!! بالتأكيد لا ..!!إذن ليست المشكلة في ذكر الاسم وإلا لو كانت المسالة ترتبط بالاسم فهذا الاسم قد جاء في حديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام, فكما نحن أخذنا من رسول الله الصلاة، وعدد الركعات، والحج، وما شابه ذلك. طيب لماذا لم نأخذ منه ما يتعلق بالخلافة .. هذا أولا ؟!!وثانيا: إنَّ القران الكريم استعمل أسلوباً أدق من ذكر الاسم, وقد ذكرت هذا الأمر مراراً في دروسي ومحاضراتي، فالقران الكريم عندما يذكر الأسماء لا يذكر الاسم مع سبعة أجداد يقول : نوح أبن فلان أبن فلان أبن فلان.. حتى لا يقع الاشتباه بينه وبين غيره, وإنما الذي يقوله : نوح يقول إبراهيم يقول موسى, طيب افترضوا أنه كان يقول علي, محمد, حسن إذن كيف نطبقه إنَّ المراد من علي هذا علي ؟!!افترضوا أن الله سبحانه وتعالى في القران الكريم أنزل آيات ذكر فيها علي طيب من أين يمكن أن نقول أن المراد هذا علي ؟!! إذن لابد أن يقول علي زوج فاطمة، أبن أبي طالب، وأولاده الحسن والحسين ..!! وهذه ليست طريقة القرآن في تعريف الأسماء .. من هنا يتضح :الأمر الأول : أنه لو ذكر لما أثر.الأمر الثاني : أنه لو ذكر أيضاً لكان تطبيقه مشكل جداً.الأمر الثالث : في اعتقادي بأنَّ هناك خطورة شديدة ستتولد على القرآن الكريم، وذلك باعتبار أن أولئك الذين كانوا يريدون أن ينصبوا الخلافة بعد رسول الله لم يكن لهم طريقاً إلا أن يرفعوا الآيات المرتبطة بعلي وأهل البيت ويكتبوا كتاباً خالياً من أسماء أهل البيت عليهم السلام، ونتيجة هذا الذكر، أن يوجد قرآنان، قرآن مرتبط بأتباع أهل البيت، وقرآن مرتبط بعموم المسلمين, فيقع الاختلاف في هذا الكتاب السماوي, وحفظ وحدة القرآن الكريم أهم من ذكر الأسماء.الأمر الرابع : أن القرآن الكريم استعمل أسلوباً أفضل من أسلوب ذكر الأسماء، وهو التوصيف، والتوصيف أدق بمراتب من الاسم، لأنَّ الاسم مشترك، والتوصيف كـ{ يا أيها الذين ءامنوا }, { إنما وليكم الله ورسوله والذين ءأمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } لا يقبل الاشتباه ولا يقبل الخطأ ولا التطبيق على أي أحد.قال تعالى : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً }، تعالوا إلى هذا التاريخ الإسلامي أمامكم, أعطوني من هو الذي ادعى أنه طاهر مطهر ولم يصدر منه أي ذنب أو اشتباه,أعطوني فرداً واحداً ؟!!لا تجدون في التاريخ أحداً، نسب نفسه إلى هذه الآية، بل حتى زوجات النبي التي يصرُّ جملة من فرق المسلمين على أنها نازلة فيهنَّ.قال تعالى : { يا أيها الذين ءآمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } دلني على إنسان واقعاً يشهد الجميع على صدقه, وأنت عندما ترجع إلى التاريخ تجد أن هذه الأوصاف لا تنطبق إلا على أئمة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام باتفاق علماء المسلمين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا أَرْجُو إِلَّا فَضْلَهُ وَ لَا أَخْشَى إِلَّا عَدْلَهُ وَ لَا أَعْتَمِدُ إِلَّا قَوْلَهُ ، وَ لَا أَتَمَسَّكُ إِلَّا بِحَبْلِهِ ، بِكَ أَسْتَجِيرُ يَا ذَا الْعَفْوِ وَ الرِّضْوَانِ مِنَ الظُّلْمِ وَ الْعُدْوَانِ ، وَ مِنْ غِيَرِ الزَّمَانِ ، وَ تَوَاتُرِ الْأَحْزَانِ ، وَ طَوَارِقِ الْحَدَثَانِ ، وَ مِنِ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ قَبْلَ التَّأَهُّبِ وَ الْعُدَّةِوَ إِيَّاكَ أَسْتَرْشِدُ لِمَا فِيهِ الصَّلَاحُ وَالْإِصْلَاحُ.
الاثنين، 28 مارس 2016
لماذا لم يذكر القرآن الكريم اسماء أهل البيت عليهم السلام
حكمة اليوم قال امير المؤمنين عليه السلام: لا تعجلن إلى تصديق واش و إن تشبه بالناصحين فإن الساعي ظالم لمن سعى به غاش لمن سعى إليه.
حكمة اليوم
قال امير المؤمنين عليه السلام: لا تعجلن إلى تصديق واش و إن تشبه بالناصحين فإن الساعي ظالم لمن سعى به غاش لمن سعى إليه.
من فضائل سور القران الكريم
الأنبياء:
عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من قرأ سورة الأنبياء، حاسبه الله حسابا يسيرا، وصافحه وسلم عليه كل نبي ذكر أسمه في القرآن). وقال أبو عبد الله عليه السلام. من قرأ سورة الأنبياء حبا لها، كان ممن رافق النبيين أجمعين في جنات النعيم، وكان مهيبا في أعين الناس حياة الدني.
من بطولات الامام علي (ع)
أن النبي صلى الله عليه وآله لما أراد فتح مكة ، سأل الله - جل اسمه - أن يعمي أخباره على قريش ليدخلها بغتة ، وكان عليه وآله السلام قد بنى الأمر في مسيره إليها على الأستسرار بذلك ، فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بعزيمة رسول الله صلى الله عليه وآله على فتحها، وأعطى الكتاب امرأة سوداء كانت وردت المدينة تستميح بها الناس وتستبرهم ، وجعل لها جعلا على أن توصله إلى قوم سماهم لها من أهل مكة، وأمرها أن تأخذ على غير الطريق . فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك ، فاستدعى أمير المؤمنين عليه السلام وقال له : «إن بعض أصحابي قد كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخبرنا، وقد كنت سألت الله أن يعمي أخبارنا عليهم ، والكتاب مع امرأة سوداء قد أخذت على غير الطريق ، فخذ سيفك والحقها وانتزع الكتاب منها وخلها وصر به إلي» ثم استدعى الزبير بن العوام فقال له : «امض مع علي بن أبي طالب ، في هذه الوجه» فمضيا وأخذا على غير الطريق فأدركا المرأة، فسبق إليها الزبير فسألها عن الكتاب الذي معها، فأنكرته وحلفت أنه لا شيء معها وبكت ، فقال الزبير: ما أرى- يا أبا الحسن - معها كتابا ، فارجع بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لنخبره ببراءة ساحتها. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : «يخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن معها كتابا ويأمرني بأخذه منها، وتقول أنت أنه لا كتاب معها» ثم اخترط السيف وتقدم إليها فقال : «أما والله لئن لم تخرجي الكتاب لأكشفنك ، ثم لأضربن عنقك» فقالت له : إذا كان لا بد من ذلك فاعرض يا ابن أبي طالب بوجهك عني ، فاعرض عليه السلام بوجهه عنها فكشفت قناعها ، وأخرجت الكتاب من عقيصتها. فاخذه أميرالمؤمنين عليه السلام وصار به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأمرأن ينادى بالصلاة جامعة ، فنودي في الناس فاجتمعوا إلى المسجد حتى امتلأ بهم ، ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر وأخذ الكتاب بيده وقال : «أيها الناس ، إني كنت سألت الله عز وجل أن يخفي أخبارنا عن قريش وإن رجلا منكم كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخبرنا، فليقم صاحب الكتاب ، وإلا فضحه الوحي» فلم يقم أحد ، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وآله مقالته ثانية، وقال : «ليقم صاحب الكتاب وإلا فضحه الوحي» فقام حاطب بن أبي بلتعة وهو يرعد كالسعفة في يوم الريح العاصف فقال : يا رسول الله أنا صاحب الكتاب ، وما أحدثت نفاقا بعد إسلامي ، ولا شكا بعد يقيني . فقال له النبي صلى الله عليه وآله : «فما الذي حملك على أن كتبت هذا الكتاب ؟» فقال : يا رسول الله ، إن لي أهلا بمكة ، وليس لي بها عشيرة ، فاشفقت أن تكون الدائرة لهم علينا ، فيكون كتابي هذا كفا لهم عن أهلي ، ويدا لي عندهم ، ولم أفعل ذلك لشك في الدين . فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله مرني بقتله فإنه قد نافق . فقال النبي صلى الله عليه واله : «إنه من أهل بدر، ولعل الله تعالى اطلع عليهم فغفرلهم . أخرجوه من المسجد». قال : فجعل الناس يدفعون في ظهره حتى أخرجوه ، وهو يلتفت إلى النبي صلى الله عليه وآله ليرق عليه ، فامرالنبي صلى الله عليه وآله برده وقال له : «قد عفوت عنك وعن جرمك ، فاستغفر ربك ولاتعد لمثل ما جنيت».
من معجزات اهل البيت (ع)
أن سلمان قال : كنت صائما فلم أقدر إلا على الماء ثلاثا فأخبرت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك فقال اذهب بنا. قال فمررنا فلم نصب شيئا إلا عنزة فقال رسول الله لصاحبها قربها قال حائل قال قربها فقربها فمسح موضع ضرعها فأسدلت قال لصاحبها قرب قعبك فجاء فملأه لبنا فأعطاه صاحب العنز فقال اشرب فشرب ثم ملأ القدح و ناولني فشربته ثم أخذ القدح فملأه فشرب .
من قضاء الامام علي (ع)
عن ابي عبداللّه (ع)، قال: اتي عمر بامراة وقد تعلقت برجل من الانصار وكانت تهواه فلم تقدرعلى حيلة، فاخذت بيضة فاخرجت منها الصفرة وصبت البياض على ثيابها وبين فخذيها، ثم جاءت الى عمر، فقالت: يا اميرالمؤمنين، ان هذا الرجل اخذني في موضع كذا وكذا ففضحني. فهم عمر ان يعاقب الانصاري وعلي(ع) جالس، فجعل الانصاري يقول: يا امير المؤمنين، تثبت في امري. فقال عمر: يا ابا الحسن، ما ترى؟ فنظر علي(ع) الى بياض على ثوب المراة فاتهمها ان تكون قد احتالت في ذلك، فقال: ائتوني بماء حار مغلي قد غلي غليا شديدا، فاتي به فامرهم ان يصبوه على ذلك البياض، فصبوه على موضعه،فاستوى ذلك البياض، فاخذه علي(ع) فالقاه في فيه، فلما عرف طعمه القاه من فيه. ثم اقبل على المراءة حتى اقرت بذلك، ودفع اللّه عز وجل عن الانصاري عقوبة عمر بعلي(ع).
الثلاثاء، 5 يناير 2016
الآية والمعجزة
|
اعجاز القرأن
|
الكون والقران {والسماء بنيناها بأييد وانا لموسعون}
|
أسباب النزول
|
معجزة القرآن الأدبية البلاغية
معجزة القرآن الأدبية البلاغيةإن التاريخ يقدم لنا حقائق كثيرة ومن الحقائق التي نحن بصددها يقول إن القرآن الكريم نزل في الجزيرة العربية وكان العرب قد بلغوا أوج عظمتهم وبراعتهم الأدبية والبلاغية حتى أن الشعر الجاهلي كان يكتب بماء الذهب ويعلق في الكعبة من شدة الإعجاب والاعتزاز ـ كما ذكرنا سابقاً ـ ومع كل هذا التقدم اللغوي في استعمال الألفاظ بالشكل الفني المتطابق لمقتضى الحال والملائم للذوق السليم الحساس بقدرة أدائية فائقة من الفصاحة والبلاغة والأدب وما تحويه هذه الفنون اللغوية من إبداع وتنسيق ودقة في الجرس الموسيقي للألفاظ ومعانيها الدالة عليها مع كل هذا نجد أن البلغاء الفصحاء والشعراء العرب حينما نزل القرآن الكريم اعترفوا بتقصير تقدمهم هذا ووقفوا مبهورين مندهشين للعظمة الكبرى من الناحية الأدبية في القرآن العزيز.وحتى أعداء الرسالة كانوا يقفون عاجزين عن المواجهة البلاغية للقرآن حيث فشلوا أكثر من مرة وضمن مجالات عديدة والتاريخ يشهد بذلك يروي صاحب (مجمع البيان) (رحمه الله) إن طغاة قريش خافوا من موسم الحج (المعتاد) أن يأتي الناس إلى بني هاشم ويسمعوا ألفاظ القرآن الكريم من النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وينتشر أمره لذلك اجتمعوا في دار الندوة وقرروا أن يسقطوا هيبة الرسول والقرآن الكريم باتهامات رخيصة فقال لهم الوليد في الاجتماع: إنكم ذوو أحساب وذوو أحلام وإن العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم على أمر مختلف فأجمعوا أمركم على شيء واحد، ما تقولون في هذا الرجل؟. قالوا: نقول انه شاعر! فعبس عندها وقال قد سمعنا الشعر فما يشبه قول الشعر فقالوا: نقول إنه كاهن! قال إذا تأتونه فلا تجدونه يحدث بما تحدث به الكهنة قالوا: نقول إنه لمجنون! فقال إذا تأتونه فلا تجدونه مجنوناً. قالوا: نقول إنه ساحر! قال وما الساحر: فقالوا بشر يحببون بين المتباغضين ويبغضون بين المتحابين فقال فهو ساحر (6) . المهم إن أعداء الرسالة والمخططين لضرب الشريعة كانوا يتردّدون في نوعية التهمة التي يحاولون أن يلصقوها بالنبي ويترددون في الوقوف أمام القرآن من الناحية البلاغية فلما تبين عجزهم الكامل توسلوا بأساليب أخرى منها الملاحقة والتصفية الجسدية أعني الحروب والمداهمات استجابة لحقدهم الدفين وانتصاراً لمصالحهم المهددة بالانهيار فلذلك نلاحظ أن القرآن الكريم الذي نزل على الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يتضمن المشروع الإلهي للبشر من كل النواحي العبادية والاجتماعية والعقوبات وقواعد الحرب والزحف وكيفية الصلح والمعاهدات والممارسات الأخلاقية والقوانين الاقتصادية وقصص الأنبياء والعبرة عن الماضين وهكذا نلاحظ كل ذلك ضمن تسلسل أدبي فني رائع، كل مجال من هذه المجالات قد أعطي حقه الكامل توضيحاً وبياناً وعلة ودليلا في العقائد والتشريع والأخلاق والمعاملات في الحياة وحال الموت والوصية والوكالة والكفالة وهكذا أبواب الحياة العملية والفكرية، وتبرز عظمة القرآن البلاغية في استعمال الفنون بصياغة دقيقة تمتاز بالا يجاز والقوة والرصانة والحسم في المواقف المعينة التي تتطلب فيها ذلك حتى في الأسلوب القصصي لبعض الأحداث الماضية كقصة أصحاب الكهف أو قصة النبي موسى (عليه السلام) فنلاحظ متانة الأسلوب في تبيان القصة مما يجعلها تمتاز بكل المميزات الحسنة للأسلوب القصصي الناجح من الإثارة والوضوح والربط المنسجم ما بين العبارات نفسها وما بين الألفاظ والمعاني من جهة أخرى يقول الرافعي في كتابه: (إن القرآن إنما ينفرد بأسلوبه لأنه ليس وضعاً إنسانياً البتة ولو كان من وضع إنسان لجاء على طريقة تشبه أسلوباً من أساليب العرب) (7) . ويروي لنا هشام الصحابي الجليل للإمام الصادق (عليه السلام) : (اجتمع في بيت الله الحرام أربعة من مشاهير الدهرية وأعاظم الأدباء وكبار الزنادقة وهم عبد الكريم بن أبي العوجاء وأبو شاكر ميمون بن ديصان وعبد الله بن المقفع وعبد الملك البصري فخاضوا في الحج ونبي الإسلام وما يجدونه من الضغط على أنفسهم من قوة أهل الدين ثم استقرت آراؤهم على معارضة القرآن الذي هو أساس الدين ومحوره. . فتعهد كل واحد منهم أن ينقض ربعاً من القرآن إلى السنة الآتية... ولما اجتمعوا في الحج القابل وتساءلوا عما فعلوا اعتذر ابن أبي العوجاء قائلاً أنه أدهشته آية: (قل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) فأشغلته بلاغتها وحجتها البالغة. وأعتذر الثاني قائلاً أنه أدهشته آية: (ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) . [سورة الحج: آية 73]. فأشغلته عن عمله... وقال ثالثهم أدهشتني آية نوح: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين) . [سورة هود:الآية 44]. فأشغلتني الفكرة عن غيرها. وقال رابعهم أدهشتني آية يوسف: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا) . [سورة يوسف: الآية 80]. فأشغلتني بلاغتها الموجزة عن التفكير في غيرها. قال هشام وإذا بأبي عبد الله الصادق (عليه السلام) يمر عليهم ويومئ إليهم قائلاً: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) [سورة الإسراء: الآية 88] (8) . ومما نستكشفه من عمالقة الأدب والبلاغة في المثل المار الذكر إن القرآن وثيقة متماسكة منسجمة بعضها مع البعض الآخر بالأسلوب والأداء والمعنى حيث أنه يتناول عدة موضوعات مختلفة تاريخية قانونية وتشريعية وأخلاقية وغيرها بروح متفاعلة متماسكة أدباً وموضوعاً وفي خلال المدة الطويلة التي استغرقت نزول الكتاب العزيز وهي ثلاثة وعشرين عاما دون أن نرى تفاوتا أو تغييراً في المستوى والطريقة الأدائية مطلقاً على عكس ما يؤلف الأدباء حيث يراجعون ويستبدلون ألفاظاً بدل ألفاظ وصوراً بدل صور بينما القرآن الكريم نزل كما قد نزل وبقي كما هو الآن وحالة التحدي لن تنتهي أبداً بل تبقي ما بقي الليل والنهار وكلما تجدد الزمان نلاحظ القرآن يزداد إشراقاً ونوراً وثباتاً وتألقاً ومهما تطورت أساليب الأدب والبلاغة نرى القرآن العظيم هو المقياس الخاص الذي تتوفر فيه كل عناصر القوة الإبداعية ـ فنياً وبلاغياً ـ فالتعبير القرآني يظل جارياً على نسق رفيع واحد من السمو في جمال اللفظ ورقة الصياغة وروعة التعبير رغم تنقله بين موضوعات مختلفة من التشريع والقصص والمواعظ والحجج والوعد والوعيد وتلك حقيقة شاقة بل لقد ظلت مستحيلة على الزمن لدى جميع من عرفنا وسمعنا بهم من فحُول العربية والبيان) (9) . حتى يظهر ذلك بوضوح على النفس الإنسانية فإنها لا تمل من القراءة أو الاستماع للآيات الكريمة فالإنسان يميل إلى التلاوة والاستماع دون ملل في التكرار. فالقوة الإبداعية بالبيان والأداء تسيطر سيطرة تامة على مشاعر الإنسان فلن يمل الإنسان مهما قرأ أكثر أو استمع أكثر للآيات الكريمة بل في كل مرة من تداول القرآن الكريم يكتشف الإنسان أثراً جديداً على نفسيته وروحيته وكلما تدبر الإنسان وتفكر في القرآن أكثر كلما شعر بهذا الإحساس الروحي العالي في داخله وكلما كان الشخص عالماً متفهماً أكثر كان إدراكه لأبعاد وأسرار القرآن أكثر فيشعر بالانعكاسات القرآنية على نفسيته ويلتذ لذلك حيث يطمئن اطمئنان المؤمنين (ألا بذكر الله تطمئن القلوب). وهذه السيطرة على المشاعر قد تكون من أسرار القوة لدى الكتاب الكريم حيث السباكة الفنية الدقيقة للألفاظ الدالة على المعاني المقصودة وحتى أولئك المنافقين والكافرين كانوا يتأثرون بالاستماع للآيات المباركة وكثير منهم من أعاد النظر في عقيدته بعد القراءة أو الاستماع فعدل عن طريقته العدائية إلى الالتزام بالكتاب الحكيم، ينقل لنا التاريخ أن الشعراء الكبار في الجاهلية كانوا يخجلون من أنفسهم حينما يقرأون أو يسمعون آيات الله العظيمة وتسيطر على أنفسهم ببلاغتها الساحرة وقوتها البيانية حتى قيل لأحد الشعراء الجاهلين ـ وأظنه لبيد ـ حينما سمعت أخته الأديبة أيضاً بالآية الكريمة: (اقتربت الساعة وانشقّ القمر) . [سورة القمر: الآية 1]. جاءت لأخيها قائلة قم وأنزل معلقتك الذهبية واخجل من محمد فهذه الآية الكريمة تحمل عدة وجوه بلاغية بكلماتها القليلة على عكس معلقتك الطويلة. ويذكر السيد الزنجاني في كتابه بصدد المعلقات السبع المشهورة قوله: (فإذا أنشأ ما هو أبلغ منه رفعوا الأول وعلقوا الثاني فلما نزل قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي) رفعوا المعلقات من الكعبة وأخفوها من الفضيحة) (10) . وللعلم أن البلاغة بمحاسنها اللفظية وحسن استعمال التشبيه والتزويق والإيجاز وما شابه من فنون الأدب والتعبير كل ذلك وجها من وجوه الإعجاز القرآني فالقرآن لم ينزل لخوض مباريات أدبية وبلاغية وإنما نزل دستوراً للحياة من لدن الله العزيز الكريم فإحدى مظاهر أعجازه هي القضية البلاغية ولأن العرب كانوا في قمة تطورهم اللغوي فكان فرسان الأدب والبلاغة يتضاءلون أمام المتانة البلاغية للقرآن المجيد لذلك ـ كما قلنا ـ سيطر القرآن على الكثير منهم نفسياً وشعورياً فكانوا يقفون أمام آية واحدة من القرآن حيارى من شدة الدقة في التعبير... فيعلن البعض إسلامه كما فعل السحرة أمام موسى فأعلنوا أيمانهم المطلق مما دفع فرعون ليبطش بهم. كما قال سبحانه: (فألقي السحرة ساجدين، قالوا آمنا برب العالمين) . [سورة الشعراء: الآيتان 46-47]. والبعض الآخر كان يدوس على ضميره وينتقم لمصالحه وعقيدته الخاوية لعصبيةٍ جاهلية منه فيترك البلاغة والأدب منهزماً من الساحة ليدخل إليها بالعنف والغلظة فصارت المعارك والحروب بعد الفشل الذريع للوقوف أمام القرآن أدبياً بلاغياً. فقد قال تبارك وتعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين، أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) . [سورة العنكبوت: الآيتان 50-51]. فهو من عند الله وقد أحكمت آياته إحكاماً دقيقاً لا يمكن للبشر مهما بلغوا أن يصلوا إلى مستوى التحدي له: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) . [سورة هود: الآية 1]. ولنأخذ مثلاً قوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق... ) . [سورة الأنبياء: الآية 18]. وفيها: كأن الحق ـ وهو معنى مجرد ولعظم شأنه ـ قذيفة ثقيلة ترمى على الباطل الهش الواهي فيرديه جثة هامدة وقد استخدمت في هذا المشهد العظيم للصراع بين الحق والباطل (الفاء) التعتيبية ولم تستخدم (ثم) أو غيرها لطي المشاهد بسرعة وبيان قدرة الحق الفائقة على دمغ الباطل والسرعة الخاطفة التي تم خلالها إزهاقه، والإزهاق هو خروج الروح لبيان حتمية انهيار الباطل وانعدام وجوده وبطلان أثره. ولقد أجاد السيد الرضي حين لاحظ إن: (الدمغ إنما يكون عن وقوع الأشياء الثقال على طريق الغلبة والاستعلاء فكأن الحق أصاب دماغ الباطل فأهلكه) (11) . فحرف الفاء له دلالته وحسابه وموقعه واختيار المفردات الدالة على صميم معناها وأنت تحتار أمام النص المبارك هل المعنى يعكس اللفظ أو اللفظ يعكس المعنى المقصود وكأنهما متساويان بالتأثير والظلال المتبادلة من الواحد للآخر. وهكذا الآيات القرآنية الأخرى تجسد البلاغة والأداء الأدبي في أرفع صوره وأرقى أشكاله. |
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)








